Al Safir | 05 February 2008

«مقفلة بداعي السفر» لمايا واكد
الماضي بعين الحاضر

السفير - سمير التنير

تبدأ الرواية هكذا «يا للوهلة. كأني بها سقطة من عل. انه لاحساس غريب يذكرني بالمطبات الهوائية. تدوي في البعيد صفارة انذار. ربما حلم راودني. لكم تروقني تلك اللحظات التي تستمهل اليقظة فأشرع اتلمس الضوضاء من حولي واستشف الضوء من خلال الجفون ولكن يبدو لي ان الوقت ما زال ليلا. فها أنذا على الطريق الساحلية المفضية الى منزلي، اقود سيارتي بعجلة كالمعتاد. فإذا بشاحنة منطلقة بسرعة جنونية. اطرافي خائرة تحيط بي ظلمة دامسة. كم الساعة الآن؟ ثمة اصوات حولي. هناك من يجهش بالبكاء».
هكذا كانت البداية.. شاحنة مجنونة وسائق ارعن يصدمان سيارة تقودها «نورا» البالغة من العمر، ثلاثين عاما. حادث يتكرر يوميا في لبنان.
بداية الرحلة، كانت رحلة العذاب التي استمرت خمسة اسابيع. «نورا» ملقاة على سرير المستشفى، في غرفة العناية الفائقة، بين الموت والحياة، بين الوعي واللاوعي، بين النور والظلمة، بين النهار والليل، بين الصمت والصراخ. وفي لحظات الوعي تسترجع بعض مراحل حياتها. ومن حولها الأهل، الأب والأم، والشقيقات الثلاث، ورجا خطيبها الذي احبته، وتنوي بعد قليل الزواج منه.
تستعيد نورا علاقاتها مع «شارل» الصديق الأول التي ذهبت معه الى الهند، والذي يغادر الحياة بعد قليل. كانا على ضفتي نهر «الغانج». ذلك النهر الذي يمارس الهنود حوله كل مظاهر الحياة فهم فيه يستحمون، ومنه يشربون وعليه يذرون رماد موتاهم. يعتقدون ان الجسد يفقد أهميته انطلاقا من ان الروح هي التي تهاجر، بعد الموت، مختارة جسدا آخر تتقمصه.
يرسل لها زملاؤها في العمل باقات من الازهار، لأن والدتها رفضت ان يراها محبوها وهي على تلك الحال.
وتأتي أختها «يمنى» الى المستشفى لتلقى خبرا جديدا: التهاب رئوي. ويعود الجميع الى التحلق حولها. الحرارة دليل على الالتهاب. ويعني ان الجسم ما زال يقاوم. ولكن اين هو رجا؟ انه يقف وقد علا الشحوب وجهه. ولكن ثمة بارقة نور تشع من عينيه. ربما هو كان خيط الأمل الذي يحب ان لا ينقطع.
تعود نورا الى تذكر رحلتها الى نيويورك، مناسبة تلك الذكرى، كانت ان الصديق الذي استضافها في نيويورك اتى للسؤال عنها في المستشفى، لكي يراها ويطمئن عليها. ولكنه لم يتمكن من ذلك.
براعة السرد
تتم السيطرة على الالتهاب الرئوي، فيتقاطر الجميع الى جوار سريرها. وتعود نورا الى تذكر ما جرى لها بعد عودتها الى ربوع الوطن. فقد تبدلت خطوط التماس والحواجز ازيلت وشرق بيروت وغربها يتواجهان من غير متاريس. والشوارع لم تعد تعرفها. لقد عادت من الغربة ولكنها اصيبت بخيبة أمل قاسية. خيبة ناجمة عن توقع الكثير من العودة الى الوطن. تبحث عن العمل وتجده في مؤسسة اعلامية كبرى. تفتح نورا يدها لتلامس وردة رجا الحمراء. واذ هي تداعبها ينساب الدم من بين اصابعها.
وتعود نورا الى السفر الى باريس في حال مفجعة اثر تدهور الوضع الأمني. وقد أجبرت على السفر بحرا بعدما علقت الرحلات الجوية كافة من مطار العاصمة واليه.
تبلغ الكاتبة الذروة في الاثارة والتشويق في اواخر صفحات الرواية (191 ـ 207) وتنتهي الرواية هكذا. بعد الوفاة «انوار قاعة الولادة تبهرها. وصلت اخيرا. والانظار مركزة عليها كطفلة طال انتظارها. عيناها الزرقاوان تحدقان في الفراغ. وتصدر عنها حازوقة اولية. امه الجديدة مفتونة ترتعش منفعلة اذ تضمها الى صدرها. لحظة وجيزة قبل ان تضمها اذرع اخرى.. فتنفجر بالبكاء! طابت ليلتك أمي! صباح الخير يا أمي!».
لا بد من الاشارة هنا الى براعة الكاتبة في استعمال ضمائر السرد والتنقل بها من المتكلم الى الغائب واجادة استعمال «الفلاش باك» لاعادة تركيب السرد وخلط الماضي بالحاضر. ولا بد ايضا من الثناء على الترجمة الممتازة التي قام بها والد الكاتبة شفيق واكد.
وبعد مايا.. تكتبين في روايتك احداثا وقعت اثناء الحرب الأهلية. تأكدي ان ما كان يحدث «هنا» كان يحدث مثله «هنا» وأكثر. كم اكره جملا مثل «العيش المشترك» و«التنوع» و«التعدد» والتي لا توجد الا في بعض الادمغة والرؤوس الفارغة. لقد وضعوا بيننا الحواجز والجدران. وعلينا ان نحطمها اليوم قبل الغد.
وبعد.. كيف تسنى لتلك المخلوقة الرقيقة الحنون ان تكتب تلك المأساة والمعاناة الانسانية الرهيبة. هل كُتب علينا ان لا نكتب الا عن الحزن والموت؟
مايا واكد: «مقفلة بداعي السفر». رواية دار الساقي (لندن ـ بيروت) 2007

• MayaWaked.Com © 2007 •